الجنوب برس
موت القعقاع ليس انتحارا ....!
كتب: د مناف الهتاري
• (كتابات وتحليلات) الجنوب برس
القعقاع لم يسقط في البركان وحده... بل سقطت معه أحلام جيل كامل
حين نتحدث عن مأساة الشاب اليمني "القعقاع"، فإننا لا نتحدث عن حادثة فردية انتهت بسقوط شاب في فوهة بركان، وإنما نتحدث عن قصة وطن دفعت ظروفه أبناءه إلى الوقوف على حافة الهاوية بحثاً عن لقمة العيش.
لقد انشغل كثيرون بالحكم على فعل القعقاع، بينما غاب السؤال الحقيقي: من الذي دفعه إلى هذا الطريق؟ وهل يولد الإنسان عاشقاً للموت، أم أن قسوة الحياة قد تجعله يغامر بكل شيء من أجل البقاء؟
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفقر وحده، وإنما الفقر عندما يقترن بالبطالة وغياب الدولة وضعف التعليم وانهيار المنظومة القيمية. عندها يصبح الشباب فريسة سهلة لكل أشكال الانحراف.
فكم من شاب دفعه اليأس إلى الإدمان على المخدرات هرباً من واقع مؤلم؟ وكم من آخر وجد نفسه في السرقة أو التقطع أو الجريمة المنظمة لأنه لم يجد باباً مشروعاً للرزق؟ وكم من شاب استغلته جماعات متطرفة فملأت فراغه الفكري والنفسي بشعارات هدامة؟ بل إن الواقع المؤلم يكشف أن بعض الجهات تستغل الحاجة الإنسانية فتغري المحتاجين بالمال أو الامتيازات مقابل التخلي عن قيمهم أو استغلالهم لتحقيق أجندات لا تخدم مجتمعاتهم.
إن الإنسان الجائع لا يخوض معركة مع ضميره فقط، بل يخوض معركة مع حاجته اليومية، ولهذا قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبارته المشهورة: "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، لأن الفقر إذا استحكم قد يهدم الأخلاق قبل أن يهدم البيوت.
القعقاع لم يكن يبحث عن الشهرة ولا عن المغامرة لمجرد المغامرة، وإنما كان يبحث عن دخل يساعد به أسرته. كان مستعداً للنزول إلى مكان يخشاه الناس جميعاً مقابل مبلغ زهيد، لأن البديل في نظره كان أشد قسوة من الخطر نفسه.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية؛ فحين تصبح المخاطرة بالموت وظيفة، يصبح الإدمان وسيلة للهروب، والجريمة وسيلة للعيش، والتطرف وسيلة للشعور بالقوة، والانحراف الأخلاقي وسيلة للحصول على المال أو الامتيازات، فإن المشكلة لم تعد مشكلة أفراد، بل أزمة مجتمع بأكمله.
ولا يعني هذا تبرير الخطأ أو تزيين المعصية أو إعفاء المجرمين من المسؤولية، فالمسؤولية الفردية ثابتة، وكل إنسان محاسب على أفعاله. لكن العدالة تقتضي أيضاً أن نعترف بمسؤولية البيئة التي تصنع اليأس، وأن نعالج الأسباب قبل الاكتفاء بإدانة النتائج.
إن حماية الشباب لا تكون بالمواعظ وحدها، بل بخلق فرص العمل، ودعم التعليم، وتمكين الأسر، ومحاربة الفساد، وبناء مؤسسات قادرة على احتضان الطاقات بدل تركها نهباً للمخدرات والجريمة والتطرف والاستغلال.
لقد سقط القعقاع في البركان، لكن الحقيقة الأشد مرارة أن كثيراً من شباب اليمن يسقطون كل يوم في براكين أخرى: بركان الفقر، وبركان البطالة، وبركان الإحباط، وبركان الفساد، وهي براكين لا تقل خطراً عن الحمم والنيران.
رحم الله القعقاع، وجعل قصته جرس إنذار يدفع الجميع إلى مواجهة جذور الأزمة، فالأوطان لا تُبنى بإحصاء الضحايا، وإنما بمنع سقوط ضحايا جدد.
للمزيد من الاخبار على :
https://algnoobpress.com/Home/Index/0?fbcli
#الجنوب_برس#عيون_جنوبية
او صفحتنا في الفيسبوك على الرابط:
https://www.facebook.com/share/g/1Dkv1pBc9
او على الوتساب:
https://chat.whatsapp.com/EGSQlSuoJNSH6t5xxtPpvN?mode=gi_
متابعة صفحتنا على (X) تويتر:
https://x.com/Algnoobpress t 5 #d