الجنوب برس
كيف تحولت الإمارات من "أصل الأزمة" إلى "فراغ لا يمكن إنكاره"
كتب: الراوي محمد الهاشمي
كان المشهد اليمني خلال السنوات الماضية مشحون إلى درجة جعلت كثيرين يظنون أن بعض الخلافات وصلت إلى نقطة اللاعودة، وكانت الإمارات العربية المتحدة في قلب هذا الجدل، تتهم في خطابات سياسية وإعلامية بأنها تدير أجندات خاصة، وتدعم قوى انفصالية، وتتدخل في تفاصيل الجنوب اليمني بصورة تتجاوز حدود التحالف، حتى تحولت لدى بعض الأصوات إلى عنوان كامل للأزمة، وارتفعت نبرة التخوين والتصعيد وكأن العلاقة انتهت، وكأن كل ما جرى لا يمكن إصلاحه أو حتى مراجعته.
ثم فجأة، يتغير الخطاب، ويخرج مسؤول يمني رفيع ليتحدث عن "خلاف مؤقت" وعن علاقات طبيعية، وعن توقف الحملات الإعلامية، بل ويشير بوضوح إلى أن الإمارات كانت ملتزمة بمشاريع إنسانية وخدمية، وأن انسحابها السريع ترك فراغ في بعض المناطق، وهنا يبدأ الاستغراب الحقيقي، ليس لأن السياسة تتغير، فالسياسة بطبيعتها متقلبة، وإنما لأن التحولات تأتي بسرعة وتجعل الناس تتساءل، أين ذهبت كل تلك اللغة الحادة، وكل تلك اليقينيات المطلقة التي كانت تقال بالأمس وكأنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.
الحقيقة التي يحاول كثيرون تجاهلها أن اليمن لم يكن ساحة بسيطة يمكن اختصارها في رواية واحدة، وأن الحرب هناك كانت متشابكة إلى حد يجعل أي قراءة سطحية مجرد تضليل للعواطف، فالإمارات لم تكن تفصيل عابر في هذا المشهد، دخلت الحرب ضمن التحالف، وقدمت دعم عسكري ولوجستي وانساني، ودفعت ثمن بشري مؤلم، وسقط لها شهداء على الأرض اليمنية، وهذه ليست رواية دعائية، بل حقيقة موثقة لا يمكن محوها بتبدل المزاج السياسي أو تبدل الخطابات الإعلامية.
هناك أشياء يمكن تعويضها، المال يعود، والمشاريع يمكن أن تبنى من جديد، وحتى التحالفات السياسية يمكن أن تتغير مع الزمن، لكن الدم لا يعود، والشهداء لا يتحولون إلى مجرد هامش في خطاب سياسي جديد، لأنهم لم يكونوا ارقام عابرة في نشرات الأخبار، وإنما رجال خرجوا وهم يعتقدون أنهم يؤدون واجب، وعائلات دفعت من قلوبها ثمن تلك الحرب، ولهذا تبقى الذاكرة أثقل من أي مصافحة سياسية متأخرة.
وما يحدث اليوم ليس جديد على التاريخ، فبعد الحرب العالمية الثانية، تحولت دول كانت تتقاتل حتى الإبادة إلى حلفاء وشركاء، ألمانيا التي دمرت أوروبا أصبحت شريك رئيسي لخصومها السابقين، والولايات المتحدة التي ألقت القنابل على اليابان أصبحت بعد سنوات الحليف الأكبر لها في آسيا.
لكن الفرق المؤلم هنا أن تلك التحولات التاريخية الكبرى، رغم قسوتها، لم تبنى كلها على خطاب يومي من التخوين والجحود وإنكار التضحيات، بينما في الحالة اليمنية شعر كثيرون أن بعض المسؤولين لم يتركوا حتى مساحة للذكرى الطيبة، ولا اعتراف متزن بما قدم، وكأن سنوات الدعم، والمواقف العسكرية، والدماء التي سقطت، يمكن محوها بالكامل لحظة تغير الخلاف السياسي.
ولهذا بدا التناقض صادم عند الناس، لأن الانتقال لم يكن من خلاف إلى مصالحة هادئة، وإنما من خطاب شديد القسوة إلى خطاب مختلف، دون أي مراجعة حقيقية أو اعتراف بحجم الكلمات التي قيلت، وكأن الذاكرة العامة مطالبة كل مرة أن تبدأ من الصفر، بينما الشعوب لا تنسى بهذه السهولة، وبالأخص حين يكون في ذاكرتها شهداء ورايات وصور رجال عادوا من المعارك محمولين على الأكتاف ملفوفين بأعلام بلادهم.
وهنا تظهر الحقيقة التي ما يكتشفها الناس متأخرين، أن السياسة لا تحفظ العداوات كما تحفظها الشعوب، ولا تتعامل مع الذاكرة بالطريقة نفسها.
للمزيد من الاخبار على :
https://algnoobpress.com/Home/Index/0?fbclid
#الجنوب_برس#عيون_جنوبية#
او صفحتنا في الفيسبوك على الرابط:
https://www.facebook.com/share/g/1Dkv1pBc95
او على الوتساب:
https://chat.whatsapp.com/EGSQlSuoJNSH6t5xxtPpvN?mode=gi_t
متابعة صفحتنا على (X) تويتر:
https://x.com/Algnoobpress