الجنوب برس
من سبّاك إلى وزير: حكاية دولة قررت أن تُهين نفسها..!!
بقلم:/ المحامية والمستشارة القانونية / سارة سعيد ماجستير القانون الجنائي - فرنسا
خلونا نتكلم اليوم عن وزير #الشؤون الاجتماعية والعمل في حكومة الشرعية الجديدة - اللي مفترض حكومة الإنقاذ - المدعو مختار #اليافعي..
مش بوصفه شخص - لأن الأشخاص زائلون - لكن بوصفه فكرة.. فكرة عن كيف يمكن لدولة أن تختصر نفسها في تعيين واحد.. وكيف تتحول كلمة “إنقاذ” من وعد سياسي إلى نكتة بايخة..
صدقوني دي مش حكاية وزير.. ولا سيرة ذاتية تحتاج تطوير.. لكن دي حكاية #نظام قرر أن المعايير عبء..
وأن الكفاءة وجهة نظر..
وأن الحقيقة تفصيل قابل للتجاوز متى ما اقتضت “الظروف”..
ونما تكون الدولة مرنة إلى هذا الحد.. فهي لم تعد مرنة.. بل رخوة..
فوزير الشؤون الاجتماعية والعمل بلا شهادة ثانوية عامة..
وبلا شهادة جامعية..
وبلا خبرة مرتبطة بالمنصب..
وده طبعاً طبيعي جداً لدولة تُدار بعقلية “#جرّب يمكن تمشي معك”..
والأغرب - والحقيقة الصادمة - أن الكلام هنا ما يدورش عن مسار مهني صاعد داخل مؤسسات الدولة.. بل عن رجل كان يعمل سبّاك في يوم من الأيام!!
وده مش عيب طبعاً.. لأن السباكة مهنة شريفة.. ومن يتقنها أكرم من اللي يتقن الكذب..
لكن العيب كل العيب أن تتحول الدولة من كيان يُدار بالمعرفة إلى سُلّم اجتماعي يُقفز عليه من المواسير إلى الوزارة دون المرور بالعقل أو التأهيل!!
فالمشكلة مش أنه كان سباك.. المشكلة في أنه في حد قرر فجأة أن إدارة شؤون #المجتمع والعمال مش محتاجة أكثر من اللي تحتاجه ورشة سباكة او حمام منزل!!
والأكثر إثارة للسخرية أنه نفس الأسم قد رُفض من قبل كملحق إعلامي في سفارة يمنية لدى دولة عربية عشان ما عندوش مؤهل علمي ولا خبرة إعلامية.. فيومها كان المؤهل شرط أساسي صارم..
لكن اليوم.. وأمام وزارة كاملة.. صار المؤهل ترف برجوازي.. واللي هو مجرد تفصيل ثانوي!!
يعني باختصار: أنت ما تصلحش لتمثيل الدولة إعلامياً.. بس تصلح لإدارة شؤونها #الاجتماعية والعمالية!!
منطق عبقري بصراحة.. فلو طبّقناه في الطب لكان الحلاق وزير الصحة!!
ولو طبّقناه في القضاء.. لكان كاتب الجلسات رئيس محكمة!!
بس عادي يا جماعة لا تكبروش الموضوع.. لأن إحنا أصلاً في زمن التدوير الشامل للعبث..
والأخطر؟ أن كل هذا جرى بعلم ودراية من اللي في قمة #القرار السياسي..
ضغوط مورست..
أسماء نافذة تدخلت.. و”الملف” مرّ..
لا في جهل هنا..
ولا خطأ إداري..
ولا سهو وبالغلط..
للأسف هذا كان قرار واعي.. ومتعمد.. ومكشوف..
وهنا أصل الخلاف الحقيقي.. واللي هو أنه العيب مش في أنه وزير بلا شهادة..
العيب الفاضح.. والقذر.. هو أن تكذب على الشعب وأنت تسمي حكومتك “حكومة كفاءات ونزاهة”!!
دي مش حكومة كفاءات..
دي حكومة تسمية كاذبة.. بالضبط زي اللي يكتب على قارورة ماء “دواء”..ثم يطلب منك الشفاء!!
فاللي حاصل الأن مش خلل فردي.. ولكن إعلان رسمي بأن الدولة مش محتاجة خبرة..
والوزارة مش محتاجة علم..
والشعب مش محتاج حقيقة..
وكل اللي تحتاجه هو ولاء أعمى.. وصمت جماعي..
ونما توصل الأمور إلى هذه المرحلة.. فما يكونش السؤال: من اللي عيّنه؟
لكن السؤال الأخطر: من اللي قرر أنه يهين فكرة الدولة نفسها؟
أما حكومة “الإنقاذ”.. فخلونا نكون دقيقين..
هي لم تُنقذ شيء..
هي فقط أنقذت شبكة #المصالح من السقوط..
والخلاصة القاسية هي أنه إذا كان هذا هو معيار “الكفاءة”..فالفشل مش قادم..
وإنما الفشل هو اللي يحكمنا الأن بالفعل..
صدقوني نحن أمام حالة لا تُناقش بالدفاع ولا بالتبرير.. بل بالتأمل الساخر المؤلم حول كيفية إدارة شؤون المجتمع والعمل بعقلية ما تعترفش أصلاً بأن للمجتمع والعمل شروط ومعايير؟!
وكيف يُطلب من الناس احترام دولة ماتحترمش نفسها في أول اختبار؟!
وهنا تبدأ القصة..
لا مش قصة شخص.. لكن قصة تكشف لنا لحظة قررت فيها #السلطة أن تضحّي بفكرة الدولة.. مقابل كرسي!! الله غالب..