07/02/2026

حكومة الكلفتات… بين إعادة التدوير وواقع غير جاهز

 

كتب : د. فيروز الولي 

 

شهدت الساحة السياسية اليمنية تشكيل حكومة جديدة تضم 36 تعيينًا وزاريًا دفعة واحدة، في خطوة يفترض أن تعكس إرادة الإصلاح، لكنها في الواقع أقرب إلى إعادة ترتيب مقاعد في مسرح لم يبدأ عرضه بعد.

عودة الوزراء السابقين، البالغ عددهم 12، توحي بأن التجارب الماضية لم تُدرس بجدية، وأن إعادة تدوير الفشل تحت مسمى “الخبرة المكتسبة” أصبح نهجًا ثابتًا. أما بقية الوزراء، فحالتهم “صامتة”: أسماء في كشوفات، مناصب بلا أثر ملموس، ودولة تعمل بنظام الطيران الآلي… بلا وجهة واضحة.

هذه الحكومة ليست حكومة كفاءات بقدر ما هي حكومة تسويات ومجاملات سياسية. المناصب العامة أصبحت أقرب إلى امتياز طويل الأمد، لا وظيفة لخدمة المواطن. ولا تزال فكرة التداول الوظيفي، التي يجب أن تكون قاعدة في أي جمهورية، مجرد نظرية بعيدة عن التطبيق.

وعندما ننتقل إلى الوزارات المفصلية — التخطيط، القانونية، وغيرها — يظهر التناقض بوضوح: وزارات مفصلية تعمل من خارج البلاد، بعيدة عن الواقع اليومي، ما يجعل التخطيط منفصلًا عن الحياة، والقانون معلقًا بين النص والتطبيق.

العودة إلى عدن: هل هي ممكنة؟

نظريًا، نعم.

عمليًا، الأمر معقد: العودة تتطلب قرارًا سياسيًا وأمنيًا وتنفيذيًا متكاملًا، مع ضمانات واضحة من القوى المحلية، وإمكانية ممارسة الصلاحيات كاملة، وليس مجرد وجود رمزي يتحول إلى عبء إضافي.

لكن السؤال الأهم ليس:

هل يستطيعون العودة؟

بل:

هل اليمن مستعد لاستقبالهم؟

الشعب اليمني منهك وخيباته متراكمة. المؤسسات الحكومية تواجه ازدواجية الصلاحيات وتداخل السلطات، والبيئة الأمنية والسياسية في عدن ما زالت هشّة. أي عودة بلا قدرة على التأثير الفعلي ستصبح نقلًا للفشل من الخارج إلى الداخل.

آلية العودة المحتملة

العودة تحتاج إلى عدة مستويات:

إطار سياسي: توافق داخلي على ممارسة الحكومة عملها من الداخل، وتفاهمات واضحة مع القوى الفاعلة في عدن.

إطار أمني: خطة حماية للمقرات الوزارية والتنقلات، ووضع أمني مستقر.

إطار إداري: العودة الفعلية إلى العمل داخل الوزارات، وليس الزيارات الرمزية، وربط المناصب بمؤشرات أداء واضحة.

إطار قانوني: تحديد مكان ممارسة الوظيفة، والمسؤوليات القانونية للغياب أو عدم الإنجاز.

إطار خدمي: التركيز على الملفات الأساسية العاجلة، مثل الرواتب والخدمات والكهرباء، لضمان أثر ملموس.

النظرة المستقبلية

مستقبل الحكومة الحالية يبدو صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا. السيناريوهات المحتملة تتراوح بين استمرار الفشل المعتاد وفرص ضئيلة لإثبات الفاعلية.

الفشل المتكرر متوقع إذا استمرت إعادة تدوير الوزراء السابقين وغياب العمل الميداني الفعلي.

التحديات الأمنية والسياسية ستقيد أي قدرة على اتخاذ قرارات حاسمة، خاصة في القضايا الحساسة.

الفرص محدودة لكنها موجودة إذا ركزت الحكومة على ملفات عاجلة، وعملت من الداخل، وأظهرت قدرة على التنفيذ والمساءلة.

الخلاصة

اليمن اليوم أمام معادلة صعبة:

هو غير مستعد فعليًا لاستقبال حكومة تعيد إنتاج نفسها بلا تغيير.

لكنه مضطر سياسيًا لقبولها في انتظار الأداء الفعلي.

الفرصة موجودة، لكنها ضئيلة، ومفتاحها الوحيد هو الإرادة السياسية الحقيقية والمواجهة الواقعية للتحديات، بدل تجنبها.

وإذا لم تتحرك الحكومة بسرعة نحو عمل ملموس، مساءلة حقيقية، ووجود فاعل على الأرض، فسيظل الشعب اليمني يراقب من المدرجات، يضحك أحيانًا، ويصبر كثيرًا، كما اعتاد على مدار عقود.